محمد جواد مغنية
344
في ظلال نهج البلاغة
( كما أطل عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه ) على نفسه جبنا وخورا ( وانجحر ) أي تخبأ واختفى ( انجحار الضبة ) وهي أنثى الضب ( في جحرها ) أي حفرتها ( والضبع في وجارها ) أي بيتها أو كهفها ( والذليل واللَّه من نصرتموه ) لأنكم لا تفيدونه بشيء ( ومن رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصل ) أي بغير سهم ، أو بسهم محطم ، وتقدم مع الشرح في الخطبة 30 ( انكم واللَّه لكثير من الباحات ) حيث لا حرب ولا جهاد ( وقليل تحت الرايات ) حيث الحرب والجهاد . ( واني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي ) . أبدا لا شيء عند علي إلا الدين ، فهو آخرته ودنياه ، ونفسه وهواه ، ومن أجل هذا ساس به أصحابه ، وما حاول أو فكر قط أن يستميل أحدا بمال أو منصب أو بالتضليل والتغرير والخداع ، ومن أجل هذا تفلت أصحابه أو أكثرهم من يده ، وهو يعلم علم اليقين انه لو استجاب إلى أهوائهم كما يفعل معاوية لكانوا أطوع اليه من بنانه ، ولكنه - كما قال - لا يطلب النصر بالجور ، ولا يصلح دنياه بإفساد دينه . قال طه حسين في كتاب « مرآة الاسلام » ص 270 : « كان معاوية يشتري ضمائر كثير من أهل البصرة والكوفة ليفسدهم على علي ، ثم ظل على ذلك بعد أن استقام له الأمر ، وجعل يتألَّف الناس حول عرشه بمال المسلمين لا يرى بذلك بأسا ، ولا يرى فيه جناحا ، ومضى الخلفاء من بني أمية على سنته » . ثم قال طه حسين : « وكان علي كثيرا ما يقول لأهل الكوفة : اني لأعرف ما يصلحكم ، ولكني لا أفسد نفسي بصلاحكم ، وصدق عمر بن الخطاب حين قال : لو ولَّوها - يريد الخلافة - ابن أبي طالب لحملهم على الجادة . وقد همّ علي أن يحمل المسلمين على الجادة ، ولكن المسلمين أبوا عليه . . ومن أجل ذلك قال كثير من المتأخرين : انه لم يكن محسنا للسياسة ، وما أشك في أنه كان يحسن السياسة كل الاحسان ، وكان جديرا لو اصطنعها ان يجمع اليه الناس ، ولكنه آثر الدين على الدنيا ، وأبى أن يصلح الناس ويفسد نفسه . . وفارق الدنيا راضيا مرضيا لم يحتمل خطيئة ، ولم يقترف إثما » . وقال عبد الكريم الخطيب المصري في كتاب « علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة في ص 445 : » كان المال في يد علي حربا عليه يكثر من